بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
اللهم صل وسلم وبارك على خيرتك من خلقك
سيدنا و حبيبنا المصطفى الأعظم وعلى آله

آداب الإختلاف...  ... ... الأخ ابو مبارك

ابو مبارك اضيف الموضوع يوم 04-01-99 02:11 PST

بسم الله الرحمن الرحيم

دعوة الدكتور الفاضل لنبذ الخلاف دعوة كريمة ولكن هل بالوسع أن ننبذ الخلاف بهذه البساطة؟؟ الجواب : لا لماذا؟ لأنه من طبيعة بني البشر ولكن بما أننا في هذا الصد فلا بد أن نفرق بين مفهومين مفهوم الخلاف ومفهوم الاختلاف فالخلاف هو افتراق الطرفين في الوسائل والغايات أما الاختلاف فهو افتراق الطرفين في الوسائل واتفاقهم في الغايات وهذا النوع الأخير هو الذي جرى بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً وليس مذموماً بالضرورة إلا إذا تعدى ضوابط الشريعة فهم جميعاً مجمعون على توحيد الله تعالى وعلى التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وضرورة الأخذ عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولكنهم مختلفون في تفسير ما جاء عن الله ورسوله أي أن غايتهم واحدة وهي الوصول للحق ولكن وسائلهم في فهم ما جاء به الوحي تختلف فاختلفت بذلك النتائج التي أداها إليها اجتهادهم وقد رخص لنا الشارع الحكيم في هذا الاختلاف فجعل لمن اجتهد فأصاب أجران ومن اجتهد فأصاب أجراً واحداً وذلك طبعاً بعد استيفاء ذلك المجتهد لشروط الاجتهاد المعروفة وبذلك يكون ربنا عز وجل قد طمأن هذه الأمة بأن اختلافهم في فهم النصوص ليس سبباً في عذابهم بل هو سبب من أسباب الرحمة والتوسعة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك عد كثير من السلف والخلف هذا النوع من الاختلاف بأنه رحمه، فقد نقل عن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز حين ذكر له اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم فانظروا يا رعاكم الله كيف فضل هذا الرجل الصالح والخليفة الراشد اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم على أن تكون لديه تلك الثروة الطائلة، وفي رواية أخرى لذلك الخبر أنه قال معقباً بأن في اختلافهم رحمة وتوسعة على الأمة، وقد عد الإمام السيوطي في رسالته "جزيل المواهب في اختلاف المذاهب" على أن اختلاف هذه الأمة هو مما أكرمها الله به ووسع عليها به فقال رحمه الله في ص21: "اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة وله سر لطيف أدركه العالمون وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة ؟ ومن العجب أيضاً من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعض تفضيلاً يؤدي إلى تنقيص المفضَّل عليه وسقوطه وربما أدى الخصام بين السفهاء وصارت عصبية وحمية الجاهلية" إلى أن قال رحمه الله : "وكان اختلاف الأمم السابقة عذاباً وهلاكاً" ثم قال: "فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة خصيصة فاضلة لهذه الأمة وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة، فكانت الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم يبعث أحدهم بشرع واحد وحكم واحد، حتى أنه من ضيق شريعته لم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا، كتحريم القصاص في شريعة اليهود وتحتم الدية في شريعة النصارى، ومن ضيقها أيضاً : لم يجتمع فيها الناسخ والمنسوخ كما وقع في شريعتنا ولذا أنكر اليهود النسخ واستعظموا نسخ القبلة، ومن ضيقها أيضاً أن كتابهم لم يكن يقرأ إلا على حرف واحد كما ورد بكل ذلك الأحاديث.." إلى آخر كلامه رحمه الله ونفعنا بعلومه وعلوم سائر أئمة المسلمين. ولا يغيب عن أذهان الأخوة الأفاضل ما جرى بين الإمام مالك وهارون الرشيد حين شاوره أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، فقال له الإمام : لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكلٌّ مصيب، فقال هارون: وفقك الله يا أبا عبدالله، وفي رواية لهذا الخبر أيضاً أن الإمام مالكاً رضي الله عنه قال بأن الناس إذا جاءهم غير ما ألفوا عدوا ذلك كفراً. فانظروا حفظكم الله كيف نظر الإمام مالك إلى خطورة حمل الناس على مذهب واحد وقول واحد، ومدى احترامه للمخالفين حتى انه لا يستبعد منهم أن يعدوا قوله كفراً ـ وذلك طبعاً لا يقع إلا من جهلة المخالفين وإلا فالعلماء أبعد الناس عن هذا ـ وإن كان وقع شيء من ذلك من الإمام ابن أبي ذئب عندما وقف على قول الإمام مالك في حديث (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) فقال في الإمام مالك كلمة عظيمة ولكن هذا لا يقاس عليه فلهذا الحدث خلفيات أخرى يضيق المقام بذكرها هنا ومما تجدر الإشارة إليه أن للاختلاف آداباً لابد للمناقش من التزامها، ومن أهم هذه الآداب هو معرفة مادة الحوار فلا يجوز لمن يجهل المادة العلمية أن يناقش فيها إلا على سبيل التعلم، وكذلك التأدب بآداب الشريعة المطهرة والإنصاف للمخالف وعدم استعجال الرد إلى أن يتأكد منه وغير ذلك من الآداب أسأل الله تعالى أن يؤدبنا بأدب الإسلام وأن يجمع قلوبنا على شريعة خير الأنام وأرجو أن لا أكون قد أسهبت في الكلام والنقل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


والله تعالى أعلم
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدناوحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه

Last changed: January 10, 1999